القرطبي
75
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الأتباع للمتبوعين ، دليله قول تعالى : " ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول " [ سبأ : 31 ] الآية . قال سعيد عن قتادة : أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها . وعن ابن عباس نحو منه . وقيل : تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح . والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح . وقيل : " تأتوننا عن اليمين " تأتوننا مجئ من إذا حلف لنا صدقناه . وقيل : تأتوننا من قبل الدين فتهونون علينا أمر الشريعة وتنفروننا عنها . قلت : وهذا القول حسن جدا ، لأن من جهة الدين يكون الخير والشر ، واليمين بمعنى الدين ، أي كنتم تزينون لنا الضلالة . وقيل : اليمين بمعنى القوة ، أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر ، قال الله تعالى : " فراغ عليهم ضربا باليمين " [ الصافات : 93 ] أي بالقوة وقوة الرجل في يمينه ، وقال الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين أي بالقوة والقدرة . وهذا قول ابن عباس . وقال مجاهد : " تأتوننا عن اليمين " أي من قبل الحق أنه معكم ، وكله متقارب المعنى . " قالوا بل لم تكونوا مؤمنين " قال قتادة : هذا قول الشياطين لهم . وقيل : من قول الرؤساء ، أي لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم منه إلى الكفر ، بل كنتم على الكفر فأقمتم عليه للألف والعادة . " وما كان لنا عليكم من سلطان " أي من حجة في ترك الحق " بل كنتم قوما طاغين " أي ضالين متجاوزين الحد . " فحق علينا قول ربنا " هو أيضا من قول المتبوعين ، أي وجب علينا وعليكم قول ربنا ، فكلنا ذائقوا العذاب ، كما كتب الله وأخبر على ألسنة الرسل " لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " [ السجدة : 13 ] . وهذا موافق للحديث : ( إن الله جل وعز كتب للنار أهلا وللجنة أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ) . " فأغويناكم " أي زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر " إنا كنا غاوين " بالوسوسة والاستدعاء . ثم قال خبرا عنهم : " فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون " الضال والمضل . " إنا كذلك " أي مثل هذا الفعل " نفعل بالمجرمين " أي المشركين . ! إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون " أي إذا قيل لهم قولوا فأضمر القول .